ملوخية طرطوسية مجففة في الظل
تتسلل نسمات البحر المتوسط المحملة برائحة اليود عبر أزقة أرواد القديمة، لتختلط بعبق بساتين الحمضيات في بانياس، حيث تُقطف أوراق الملوخية في أوج نضجها الصيفي، وتُفرد على مفارش قماشية في غرف مظللة وجيدة التهوية بعيداً عن لهيب الشمس المباشر، حفاظاً على لونها الزمردي الزاهي. تُعرف في أرياف صافيتا وبانياس بـ 'الملوخية اليابسة' أو 'ملوخية المونة'، وتُعد العمود الفقري لمونة الشتاء الساحلية. يتجلى جوهرها عند طبخها بمرق دجاج بلدي يفوح منه عطر الهال والمستكة، وتُقدم مع زيت الزيتون الساحلي 'الخريج' الذي يُسكب فوقها بلمسة أخيرة، إلى جانب شرائح النارنج أو الكباد التي تضفي حامضيةً تليق بجلسات المتة المسائية. يرتبط تحضيرها بطقوس 'التعزيل' والتعاون النسوي في مواسم القطاف، حيث تتجمع الجارات في الساحات لتقطيف الأوراق على وقع أحاديثهن، وتُقدم مرافقةً لأطباق الأرز المفلفل بالسمن العربي، مع لمسة من دبس الرمان الجبلي الذي يكسر حدة قوامها اللزج، لتكون حاضرةً في وجبات الغداء التي تلي أيام 'سيران البساتين' حينما كان أهالي الساحل يتشاركون خيرات الأرض ومحصول المونة.